إلي رحمة الله

 

1 -  العالم الربَّاني الكبير الشيخ أبرار الحق الحقّي

المعروف بـ«محيّ السنّة» رحمه الله

1339-1426هـ = 1920-2005م

 

 

 

     بغاية من الحزن والأسى ودَّعت الأمة الإسلامية الهنديّة العالمَ الربانيَّ الكبيرَ الشيخَ الصالح المصلح الداعية الإسلامي «أبرار الحق الحقيّ» المعروف بـ «محي السنة» الذي وافته المنيّة بمدينة «هردوئي» بولاية «أترابراديش» بالهند ، في الساعة التاسعة إلاّ الربع من الليلة المتخللة بين 8-9/ ربيع الثاني 1426هـ الموافق 17-18/مايو 2005م . وذلك في 86 من عمره . فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .

     كان الشيخ أبرارالحق آخرَ حلقة في سلسلة العلماء الكبار الدعاة الصلحاء الربانيين الموثوق بهم لدى العامة والخاصّة في شبه القارة الهندية ؛ فكان مقصدَ الخلق ، ومرجعَ العلماء ، ومنتهى الدعاة والمصلحين ، وكلِّ حريص على اتّباع السنة ، وتعلّم الدين ، وتصحيح العقيدة ، وتعزيز الصلة بالله ؛ فبموته شعر المسلمون في هذه الديار كأنه انحسر عن رؤوسهم ظل سعادة ظليل كان يقيهم بتوفيق الله عز وجلّ الشمسَ المحرقةَ والبردَ القارسَ من الماديّة الجامحة والإخلاد إلى الدنيا والفتن الكثر التي تكاد تلفّ اليوم رقابَ العباد .

     وكان آخر خليفة في التزكية والإحسان ، بقي حيًّا من خلفاء الشيخ الجليل العالم الهندي المتقن العلامة أشرف علي التهانوي – رحمه الله – المعروف بـ «حكيم الأمة» (1280-1362 = 1863-1943م) ولكونه يعيش كلَّ وقت همومَ إصلاح العباد والرجوع بهم إلى الله ، من خلال سعيه المتصل المكثف ، لصياغة حياتهم في قالب السنة النبوية والشريعة المحمديّة ، قد وضع الله له الحبّ والقبول بين عباده ، بشكل كان يؤكّد للجميع أنه جزاء له عاجل من ربّه الكريم في هذه الدنيا ، وأمّا جزاء الآخرة فسيناله هو الآخر إن شاء الله موفورًا مذخورًا ؛ ولهذا ما إن انتشر نعيُ وفاته ، حتى أصابهم من القلق ما لايوصف ، وأصبحوا كأنهم فقدوا رأسَ مال حياتهم ، وانكبّوا على الذكر والتلاوة والدعاء، وإهداء الثواب إلى روحه ، وهُرِعَ إلى مدينة «هردوئي» كلُّ من وجد من المتمتعين بسعادة الصحة والقوة والهمة ذريعةً للوصول إليها ؛ لكي يحضر صلاة الميت عليه – التي حُدِّد ميعادُها الساعة التاسعة من صباح يوم الأربعاء 9/ربيع الثاني 1426هـ الموافق 18/مايو 2005م ؛ ولكنها لم تُقَمْ من شدة الزحام إلاّ في الساعة العاشرة إلاّ الربع – ولكي يلقي على جثته في هذه الدنيا الفانية نظرةَ الوداع الأخيرة إذا تمكّن من ذلك . وقد أفاد عددٌ من العلماء الذين حضروا صلاةَ الجنازة وتوريةَ جثمانه في مثواه الأخير أن عدد الحضور لايمكن تحديدُه ، وأن معظمهم كانوا من خواصّ الناس : العلماء والمشايخ ، وطلبة علوم الدين والمتدينين ، والمحافظين على الصلاة وأحكام الدين ، ومحبّي الصالحين . ورغم كون الزحام شديدًا ، كان الجمع منتظمًا هادئًا ، ولم تحدث فوضى ربّما تحدث في مثل هذا الجمع الحاشد ، الذي يكون قوامه أناسٌ من جميع القطاعات . وقد صلّى بالناس عليه رفيقُه في الدرب ، فضيلةُ الشيخ المقرئ أمير حسن – حفظه الله – الذي هو أحد أصحاب المحدث الكبير محمد زكريّا بن يحيى الكاندهلوي – رحمه الله – المتوفى والمدفون بالبقيع بالمدينة المنورة (1402هـ الموافق 1982م) .

*  *  *

     باستثناء عوارض الشيخوخة والأمراض الخفيفة التي يتعرّض لها كلُّ إنسان ، ظلّ – رحمه الله – يتمتع في الأغلب بالصحة والنشاط الموفور ؛ فكان يواظب على جميع وظائفه ، دونما إخلال بأيّ منها ؛ ولكنه في عام 1423هـ / 2002م أصيب بفالج في مخّه عُوفِيَ منه بالعلاج في حينه والإسعاف المكثف الطويل الذي ناله في كل من مدينة «لكهنؤ» ومدينة «بُومْبَايْ»«مُمْبَايْ» حاليًّا – وأعانه على معافاته من مرضه توفيقُه تعالى ، وأدعيةُ عباد الله الصالحين ، من محبيه و المعجبين به ، من العلماء والمشايخ ، والمنتمين إلى شتى شرائح المجتمع الإسلامي الهندي خصوصًا، والعالمي عمومًا ؛ ولكنه بما أنّ وعكته الصحية هذه كانت خطيرة ، نصحه الأطباء بعدها بالتقيد بالوقاية والعمل بالتحفّظات ؛ غير أنه لم يتمكن من الالتزام بنصائحهم في أواخر عمره ، الذي كان كأنّه أدرك أن أيامه معدودة ولحظاتها محدودة، فتَوَفَّرَ على العمل الإصلاحي ، وعلى الزيارات والرحلات الدعوية ، والأنشطة التربوية ، بشكل أكثر من ذي قبل . وظلّ محبّوه في كل مكان وجميعُ من يعايشونه يتخوّفون عليه من اجتهاده البالغ ، الذي كانت لاتسمح به له تداعياتُ انحرافاته الصحية ، التي كان لايزال يعيشها منذ ذاك الوقت .

     كان – رحمه الله – يحضر كالعادة يوم الثلاثاء: 8/4/1426هـ = 17/5/2005م مجلسه بعد صلاة العصر ، إذ غصّ بالبلغم ، وشعر إثر ذلك باضمحلال ، فقصد بيته ، وما لبث أن تحوَّل البلغم دمًا . ربما كان ذلك من أجل انصداع عرق المخّ ، وما إن أدّى صلاة المغرب بشكل أو بآخر، إذ بدأ الدم يجري من كل من فمه وأنفه ، مما استنزف دمه جلَّه بل كلَّه . وجرى الاتصال بأطبائه الذين حضروا فورًا ، وأشاورا بإلحاقه عاجلاً بمستشفى بـ«هردوئي» ووضعه تحت العناية المركزة . وما إن وُضِعَ في سيارة الإسعاف وتحرَّكت خارجةً من مدرسته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة .

*  *  *

     وقد خَلَّفَ رحمه الله وراءه أخوين يقتطن أحدهما بباكستان ، وثانيهما يسكن مدينة «عليجراه» بالهند ، وكان له رحمه الله خمسة إخوة وأخت . كما خلّف زوجتهَ الصالحة وبنتهَ الوحيدة، التي هي زوجة الشيخ الصالح محمد كليم الله – حفظه الله – الطبيب النطاسي بالطبّ اليوناني العربي ، الذي انتُخِبَ خليفةً له – رحمه الله – على جميع أعماله الدعوية والتربوية والتعليمية . ولهذه السيدة الصالحة ثلاثة بنين ، هم : عليم الحق وفهيم الحق وسليم الحق ، وثلاث بنات – حفظهم وحفظهن الله تعالى. وقد كان له رحمه الله ولدٌ صالح ورع تقي ، هو الحافظ أشرف الحق ، مات في شبابه عندما كان في 28 من عمره . وذلك عام 1395هـ / 1975م .

     وخلفاؤه رحمه الله – الذين تربّوا عليه و تخرّجوا في التزكية والإحسان – نوعان : المجازون بالبيعة والمجازون بالصحبة . والنوع الأول عددهم 103 ، والنوع الثاني عددهم 36 ؛ فإجمالي عددهم 139 .

     والمجازون بالبيعة منتشرون في أقطار العالم ؛ فهم في الهند 60 ، وفي باكستان 6 ، وفي بريطانيا – المملكة المتحدة – 1 ، وفي أمريكا 1 ، وفي إفريقيا 3 ، وفي السعودية 5 ، وفي بنغلاديش 27 .

نبذة من بطاقته الشخصية

     وُلِدَ رحمه الله يوم 7/جمادى الأولى 1339هـ الموافق 20/ ديسمبر 1920م بمدينة «هَرْدُوْئِيْ» (Hardoie) بولاية «أترابراديش» بالهند لأب صالح كان من أتباع الشيخ الكبير العلامة أشرف علي التهانوي والمشتغلين عليه في التزكية والإحسان ، وهو الشيخ محمود الحق الذي كان من المحامين المبزرين بـ«هردوئي» والمتخرجين من جامعة المسلمين بمدينة «عليجراه» الشهيرة . وكان وطنه الأمّ بلدة «بَلْوَل» (Palwal) المجاورة لدهلي العاصمة . فانتقلت أسرته أولاً إلى «ميروت» ثم إلى «هردوئي». ينتهي نسبه إلى محدث الهند الكبير الشيخ عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي (958-1052هـ = 1551-1642م) ؛ ومن هنا كان رحمه الله يُعْرَفُ بـ«الحقيّ» .

     ورغم أن والده كان مُثَقَّفًا بالثقافة العصريّة الإنجليزية ، وكان يمارس مهنةَ المحاماة ؛ ولكنه آثر لولده السعيد أن يكون عالمًا متقنًا من علماء الدين . وكان ذلك اختيارًا له من الله الذي بيده الخير. وقد قال المترجمون له : إنّ من لقنّه فاتحةَ القراءة هو العالم الرباني الشيخ السيد أصغر حسين الديوبندي أحد كبار أساتذة ومشايخ الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند ، المتوفى 1364هـ / 1944م . وقد أنهى – رحمه الله – حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز عمره (8) ثماني سنوات ، وتلقّى مبادئ القراءة بالأردية والفارسية والعربية من الشيخ أنوار أحمد الأنبهتويّ المظاهري في مدرسة تابعة للجمعية الإسلامية بمدينة «هردوئي» التي كان قد أسّسها والده الشيخ محمود الحق ، الذي كان له شغف زائد بالأعمال الإسلامية الخيرية رغم تشاغله البالغ بمهنة المحاماة التي كان يزاولها ، مما مَكَّنَه من التقدّم في دراسة العلوم الشرعيّة في عمره المبكر ، فقصد عام 1349هـ / 1931م وهو في 10 من عمره مدرسةَ مظاهر العلوم بمدينة «سهارنبور» التي هي صِنْوَةُ الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند ، والتحق بها يتعلم في المرحلة الابتدائية من التعليم العربي الديني .

     واجتاز جميعَ المراحل الدراسيّة من الابتدائية حتى الدراسات العليا والتخصيصات ملازمًا مستوى الطالب المثالي ، من حيث الاجتهاد في الدراسة ، والمحافظة على الذكر والعبادة ، واستغلال الوقت بنحو دقيق ، حتى لم يُهْدِرْ لحظةً منه فيما لايعنيه . وكان يواظب حتى على صلاة التهجد ، وكان خلال تعلمه بمدرسة مظاهر العلوم «صاحب السواك والوضوء» لأستاذه الشيخ السيد عبد اللطيف – رحمه الله – المتوفى 1373هـ/1954م . الذي كان آنذاك أمينًا عامًّا لمدرسة مظاهرالعلوم .

     واجتاز الصف النهائي من الدراسات العليا المعروف في مدارس شبه القارة الهندية باسم «دورة الحديث الشريف» في العام الدراسي 1355-1356هـ ، وأدّى الامتحان النصف السنويّ ، ففاز فيه بالدرجة الأولى والمرتبة الأولى ، حتى أكرمه  المحدث الشيخ زكريا بن يحيى الكاندهلوي – رحمه الله – بإهدائه إليه المجلدات الكاملة من كتاب أستاذه الجليل المحدث خليل أحمد السهارنبوري – رحمه الله – المتوفى بالمدينة المنورة (1346هـ / 1927م والمولود ببلدة «نانوته» بالهند عام 1369هـ / 1852م) : «بذل المجهود في حلّ سننِ أبي داؤد» ولكنه من أجل الوعكة الصحية الشديدة المفاجئة التي ألَمَّتْ به ، لم يتمكن من أداء الامتحان السنوي لدورة الحديث الشريف في العام الدراسي المذكور ، فاعاد دراستَه فيها في العام الدراسي 1356-1357هـ ، وفاز في الامتحان كالسابق بالدرجة الأولى مُسَجِّلاً  الامتيازَ . ومكث في المدرسة للعام الدراسيّين القادمين على التوالي 1357-1358هـ و 1358-1359هـ ؛ حيث تعمّق في دراسة أمهات الكتب في المنقول والمعقول، واجتاز الامتحانين السنويين بامتياز . ولاشهادة أقوى بكفاءته العلمية وأهليته الدراسية المعجونة بالصلاح والتدين ، من التي أدّاها مكتوبةً لدى عميد إحدى المدارس ، أحدُ خواصّ أصحاب الشيخ الكبير العلامة أشرف علي التهانويّ – رحمه الله – وهو الشيخ ظفر أحمد التهانوي العثماني (1310-1394هـ = 1892-1974م) صاحب كتاب «إعلاء السنن» الموسوعة المستوعبة للأحاديث التي هي قوام الفقه الحنفي ، وهو يقع في عشرين مجلدًا . وقد أكّد الشهادةَ الشيخُ أشرف علي التهانوي – رحمه الله – بتوقيعه هو قائلاً : «العاجز أشرف علي يصادق على المكتوب أعلاه حرفًا حرفًا» ونصُّ الشهادة التي كتبها الشيخ ظفر أحمد العثماني كما يلي :

     «أعرف رجلاً يتمتع بغاية من التدين والأهلية العلمية ، ويثق كلَّ الثقة بأهليته المدرسون في مظاهر العلوم وأمينُها – فيما سمعتُ وعلمتُ – واسمه المولوي أبرار الحق / سلمه الله ، تلقى العلوم الشرعيّة حسب المنهاج الدراسي بغاية من الاجتهاد في مدرسة مظاهر العلوم . وهو – ولله الحمد والمنة – حافظ للقرآن الكريم ومقرئ . وظل يقوم بمسؤولية التدريس إلى جانب تلقيه العلم ، والطلاب يحبون أسلوب تدريسه . وهو يمتاز جدًّا عن أقرانه في التقوى والعفاف ، والجمع بين العلم والعمل» («ذكر أبرار» بالأردية ص 15) .

     وإذا كانت الأهلية مما يُكْتَسَبُ ، فإنّ الاكتساب إنما يَسْهُلُ إذا كان المُعَلِّمُ عبقريًّا مُؤَهَّلاً يجمع إلى عَبْقَرِيَّته ومُؤَهِّلاَته الصلاحَ والصلةَ القويةَ بالله . وذلك ما تَيَسَّر له رحمه الله في مدرسته التي كانت سعيدةً بوجود كبار العلماء والمحدثين والمشايخ الربانيين ؛ فكان من أساتذته فيها أمثال : الشيخ السيد عبد اللطيف المتوفى 1373هـ / 1954م ، أمينُ عام المدرسة ، والشيخ عبد الرحمن الكاملبوري المتوفى 1358هـ / 1939م رئيسُ هيئة التدريس بها ، والشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي المتوفى 1402هـ / 1984م شيخُ الحديث (رئيس مشيخة الحديث) بها ، والشيخُ منظور أحمد خان المتوفى 1388هـ / 1968م ، والشيخ أسعد الله الرامبوري المتوفى 1399هـ / 1978م ، والشيخ المفتي سعيد أحمد المتوفى 1377هـ / 1957م رئيس المفتين بها ، والشيخ ظريف أحمد المتوفى 1402هـ / 1982م ، والشيخ عبد الجبار الأعظمي المتوفى 1409هـ / 1988م، والشيخ المفتي محمود الحسن الكنكوهي المتوفى 1417هـ / 1996م – رحمهم الله تعالى .

     وقد وُفِّق – رحمه الله تعالى – بفضل من ربه الكريم وبدعاء والده الصالح أن يجمع منذ اليوم الأوّل بين الانقطاع إلى إتقان العلوم الشرعية وبين العكوف على حياة العفاف والزهـد وتدعيم الصلة بالله ؛ فظلّ طالبًا مجدًّا بالنهار ، وقائمًا متهجدًا بالليل ، ومحافظًا على الصلوات الخمس في اليوم والليلة ، وقد شهد أستاذُه الكبير الشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوي الذي قرأ عليه صحيحَ البخاري ، بأنّ «المولوي أبرار الحق ، قد أكرمه الله بنعمة الإحسان والعلاقة به تعالى أيَّام كان متعلمًا» («علماء مظاهر العلوم» بالأردية ، ج1 ، ص 488) .

     وقد عَثَرَ بعضُ الدارسين على بعض دفاتره ومذاكراته – رحمه الله – التي كان يُدَوِّنُها بانتظام عندما كان طالبًا بمدرسة مظاهر العلوم ، فوَجَدُوا في بعضها ما يلي من برنامجه اليومي ، وقد كان عندها في 13 من عمره فقط : «استيقظتُ للتهجد ليلاً في الساعة ... فهيأتُ الماءَ للسيد الأمين العامّ حتى يتطهّر ويتوضّأ ، ثم صلّيتُ ، ثم قرأتُ عليه درسًا محددًا من كتاب «مختصر المعاني» وحضّرت دروسَ الكتب ... »

     وقد تَعَلَّقَ بالشيخ الكبير العلاّمة أشرف علي التهانوي – رحمه الله – أثناء تعلمه بمدرسة مظاهر العلوم. وكان مجبولاً على الصلاح ، ناشئًا على الدين ، متقيدًا بأحكامه منذ نعومة أظفاره ؛ حيث كان بيتهُ بيتَ علم ودين وصلاح ، وكان يقصد أيام تحصيله بلدةَ «تَهانَهْ بَهوَنْ» (Thana Bhawan) كلَّ أسبوع ، يزور شيخه ويجالسه ، ويستضيء بتعليماته وتوجيهاته ، ويتعلم منه الإطِّراحَ على عتبة ربّه ، وأسلوبَ اتباع نبيه ، ونهجَ التمتع بحبه . وكان يُمْضِي أيامَ إجازته كلّها لدى شيخه ، يَتَشَرَّبُ منه روحَ الشريعة ، ويتعلم منه معنى الإخلاص ، ويَتَربَّىٰ على العمل بالدين بجميع أجزائه. وقد كان الشيخ التهانويّ دقيقَ الملاحظة لأحوال مريديه والمتربِّين لديه ، فكان لايجيز بالمبايعة والقيام بالتربية والتزكية إلاّ من يجده على المستوى المطلوب لديــه ، من الصلاح الكامل ، والتدين الشامل ، والأمانة في جميع نواحي الحياة . ومما يُؤَكِّدُ كونَ الشيخ أبرارالحق على جانب كبير من الصلاح أن الشيخ التهانوي – رحمه الله – أجازه بالبيعة ولم يتجاوز عمره 22 عامًا . وذلك عام 1361هـ /1942م. وربّما لم ينل منه أيّ عالم الإجازة بالبيعة في مثل هذا العمر المبكر . وكانت إجازةُ الشيخ التهانوي لأحد بالمبايعة تُعْتَبَرُ بحقّ شهادةً مؤكدةً بكونه قد أصبح ممن يوثق بدينه وصلاحه وإخلاصه، وتجرده من أدران المادية ، وأرجاس الأهواء؛ ولكن الشيخ أبرارالحق – رحمه الله – لم يثق بنفسه ، ولم يَعُدَّهَا مستغنيةً عن الإصلاح والتزكية ، فظلّ يراجع الشيخ التهانوي عبر حياته يسترشده ويعرض عليه أحوالَه . وبعدما تُوُفِّيَ شيخُه التهانويُّ، ظلّ يلازم الاتصالَ بأحد أصحابه البارزين : الشيخ خواجه عزيزالحسن مجذوب رحمه الله (المتوفى 1363هـ / 1944م) وإثر وفاته ظل يتعلق بأصحابه الآخرين ، أمثال الشيخ عبد الرحمن الكاملبوري المتوفى 1385هـ / 1965م ، والشيخ عبد الغني البهولبوري المتوفى 1383هـ / 1963م، والشيخ وصيّ الله الفتحبوري المتوفى 1387هـ / 1967م . وبعدما استاثرت بهم رحمةُالله تعالى ، ظلّ على علاقة بكل من الشيخ محمد أحمد البرتابكدهي المتوفى 1412هـ / 1991م ، والشيخ المفتي محمودالحسن الكنكوهي رئيس قسم الإفتاء بالجامعة الإسلامية : دارالعلوم / ديوبند المتوفى 1417هـ / 1996م .

أعماله التدريسيّة

     1- عمل مدرسًا مساعدًا بمدرسة مظاهرالعلوم ، إثر تخرّجه منها وإنهائه مرحلةَ التخصص في العلوم الشرعية والعلوم العقلية .

     2- وبعد فترةٍ أَمَره شيخُه التهانويّ بالعمل مدرسًا في مدرسة «جامع العلوم» بمدينة «كانبور» التي كان قد أسّسها هو ، فبقي يدرّس بها نحو عامين .

     3- ثم انتقل منها على إيعاز من شيخه إلى «المدرسة الإسلامية» بـ «فتحبور هنسوه» التي مكث بها مدرسًا نحو عامين .

     4- وبأمر من شيخه غادرها إلى وطنه مدينة «هردوئي» وبتوجيه منه أسّس بها مدرسةً باسم «أشرف المدارس». وذلك عام 1361هـ / 1942م وظل يدرس بها بنفسه جميعَ الكتب التي قرّرها لتدريسها فيها ، في تواضع وجـدّ ، واستغلال للوقت ، وعكوف على تربية صغار المسلمين على الدين ، ثباتًا بهم عليه ، ونجاةً بهم عن النار .

مآثره وخدماته الجليلة

     1- عام 1370هـ /1950م قام – رحمه الله – بإعادة تأسيس «مجلس دعوة الحق» الذي كان أسّسه أولاً شيخُه العلامة المربي الشيخ أشرف علي التهانوي – رحمه الله – وكان من أهداف المجلس تبنّي حركة شاملة وحملة مستمرة من أجل مكافحة البدع والخرافات ، وإصلاح مجتمعات المسلمين وتجريدها من التقاليد غير الإسلامية ؛ ومن أجل مكافحة الأمية ونشر التعليم الديني في صغار المسلمين ، وتعليمهم مبادئَ الدين التي لا يُتَصَوَّر بدونها كون المرأ مسلمًا ؛ ومن أجل إقامة كتاتيب دينية وعقد حفلات دعوية ولقاءات توعويّة ، وجذب الصغار والكبار من خلالها إلى تعلم الدين والعمل به . وكان المجلس فَقَدَ حيويتَه بعد وفاة الشيخ التهانوي – رحمه الله – فأعاد إحياءَه الشيخ أبرارالحق الحقيّ رحمه الله ، فعمل جاهدًا على تحقيق أهدافه في الهند وخارجها، وامتدت تأثيراتها إلى كثير من البلاد والأقطار التي زارها الشيخ رحمه الله، واتّصل به أهلها المسلمون من خلال أواصر التربية وصلات التزكية : مثل إفريقيا ، وبلاد أوربّا، وأمريكا، والدول العربية ، وباكستان ، وبنغلاديش. وقد أسّس – رحمه الله – في حياته 96 كتابًا لتعليم القرآن الكريم وتجويده وتعليم مبادئ الدين . والكتاتيبُ مُوَزَّعَة في أرجاء مديرية «هردوئي» وغيرها من ولايات الهند . كما قامت كتاتيبُ على غرار هذه الكتاتيب في بلاد أخرى كان عدد كبير من مسلميها اتّصل به – رحمه الله – واستفاد من صحبته وتربيته ، أمثال إفريقيا الجنوبية ، وبريطانيا ، وأمريكا ، وبنغلاديش وغيرها.

     والجدير بالذكر أنّ الشيخ أبرارالحق – رحمه الله – اتّبع في تأسيس الكتاتيب ومدرسة «أشرف المدارس» بمدينة «هردوئي» منهجَ شيخه التهانوي في اجتناب الاعتماد على التبرعات العامّة واتخاذ جمعها مهنةً واحترافه كعمل من أعمال الاكتساب ؛ فأقام مدرسته وكتاتيبه على أساس الاستغناء عن التملق للأثرياء ، واتَّخَذَ لها نظامًا بديعًا سمّاه «نظام القَبْصَة» وهو أنّه دعا النساء المسلمات أن يُخْرِجْنَ من الدقيق أو الرزّ المُخصَصَّ لإعداد الخبز والطبخ «قدر قبصة» لاينتقص بها نصابُ الأَكْلَة المطلوبة للعائلة لوقت واحد من الأوقات الثلاثة : الفطور، والغَداء ، والعَشاء ، وأن يجمعن القبصات في قِدْر من القدور أو ظرف من الظروف ، ويرسلنها إلى الكتاتيب عن طريق الصغار المتعلمين فيها .

     ولكنه كان يقبل تبرعاتِ فاعلي الخير الذين يَتَوَسَّمُ فيهم الإخلاصَ المطلوبَ والزهدَ الكاملَ في الشهرة ، والحرصَ الزائد على ثواب ربهم يوم القيامة ، والذين كانوا يدفعونها دونما ترغيب منه أو من أحد من رجاله الذين كان يأمرهم بالاحتراز المطلق من التلويح لأحد بدفع مساعدة لمدرسته أو كتاتيبه ؛ لأنه كان يؤمن – كشيخه التهانوي – أن مباشرة العلماء والدعاة ورجال الدين لجمع التبرعات والتملق من أجلها للأثرياء والتجار تُذْهِبُ ريحَهم و تزيل ماءَ وجوههم وتخدش وقارَهم . من هنا إذا زاره ثرىٌّ أو تاجرٌ ، كان لايزور بهم مدرستَه : أشرفَ المدارس أو أحدًا من كتاتيبه ؛ ولكنّه كان يزورها بالعلماء والمشايخ والصلحاء الذين كانوا يزورونه تترى . وذلك لكي يأخذوا من مناهج عملها ما يروقهم ويرونه أصلحَ وأنفعَ فيما يتعلق بتربية النشء وتعليم الصغار وتربية الجيل ؛ حتى يُقَدّموا – كما كان يوصيهم ويؤكد عليهم – ملاحظاتِهم إليه إذا وجدوا ما يحتاج إلى تغيير أو إصلاح في مناهج التعليم والتربية المُتَّبَعَة لديه .

     2- الاهتمام بإحياء السنن النبوية – على صاحبها الصلاة والسلام – كان ما يُميَّزُه عن العلماء المعاصرين . ولحرصه الزائد على ذلك أصبح «محي السنة» اللقبَ الذي عُرِفَ به في أرجاء الهند ؛ فكان يأخذ نفسَه وأصحابَه وجميعَ الجالسين إليه والزائرين له والمتوافدين عليه باتّباع السنة في جميع مناحي الحياة : القيام والقعود ، والمنام والاستيقاظ ، والأكل والشرب ، والتزين واللباس ، والبيت والمسجد ، والمجلس والخلوة ، والصباح والمساء ، والاجتماع بالناس ، وعيادة المريض ، وما يرد من السنن في العبادات والمعاملات ، والحياة الفردية والجماعية ؛ حتى نبّه الناس إلى قيمة السنن التي يرونها متواضعةً فلا يُلْقُونَ إليها بالاً . وكان يلفت اهتمامَهم إليها بمواعظه ، وحديثه المجلسي ، وخلال حضره وسفره ، وبكتاباته وكُتَيِّبَاته ، والمطويات والنشرات التي كان يهتمّ بإعدادها عن طريق أصحابه ، والتي كان يوزّعها على كل من يلقاه في مقره بـ «هردوئي» أو في منازله لدى التطواف الدعوي والإصلاحي .

     في شعبان 1423هـ = أكتوبر 2002م قصدتُ مدينة «مُمْبَاي» – بُومْبَاي سابقًا – وأمضيتُ الشهر كله في علاج داء السكري وعوارضه الخطيرة المفاجئة ، لدى بعض الأطباء و في بعض المستشفيات ، وزارني خلال إقامتي بالمدينة كثير من معارفي القدامى ومعارفهم الذين تسامعوا بوجودي بها ، ومعظمهم حَكَوْا لي قصةَ علاجِ الشيخ أبرارالحق – رحمه الله – الذي كان قد غادر المدينةَ قبل نزولي بها بفترة غير طويلة ، وذكروا في إعجاب وانطباع بالغين ولذة عجيبة ماتركَتْ من تأثير عميق في أهالي المدينة المسلمين – الذين عادوه لدى تلقيه العلاجَ في بعض المستشفيات – صحبتُه القصيرة التي تمتعوا بها لدى عيادتهم له ، فقد قالوا: إن كثيرًا من الكبار والصغار حَفِظُوا الأَدْعِيَةَ المأثورةَ المرويَّةَ عن النبي فيما يتعلق بعيادة المريض والدعاء له ، وفعلاً كانوا يقرؤونها ويدعون بها لي لدى عيادتهم لي . وقالوا : إن الشيخ يُمَتَّعهُم بزياراته المباركة وإقاماته الطويلة والقصيرة بين ظهرانيهم من وقت لآخر ، وكلُّها تكون فرصةً ذهبيةً لتعلّم السنن وتردادها ، والعمل بها في كل مناسبة دونما تعب ؛ حيث إن الشيخ يُعَلِّمُهم إيّاها بشكل لا يَثْقُلُ عليهم وتُصْبِح – السنن – جزءًا من حياتهم العاديّة .

     3- يوجد في العلماء والدعاة كثيرون يأمرون بالمعروف ويَدْعُون إلى الخير ؛ لكنه يقلّ فيهم من يَنْهَوْن عن المنكر. والدراسةُ الميدانيةُ تؤكّد أنّ الأمر بالمعروف قد يكون أسهل على القائم به من النهي عن المنكر؛ لأنّ الأوّل عملٌ «إيجابيٌّ» لايشقّ على الآمر به ولا على المأمور به ، ولا يُسَبِّبُ – في الأغلب – عنتًا أو إعراضًا أو ردَّ فعل سلبيّ من قبل المأمور به تجاه الآمر به . أما النهي عن المنكر، فهو شديد على القائم به وعلى من يُنْهَىٰ عنه ؛ فهو ربّما يُعَرِّض القائم به للصدود والإعراض ، والحقد والعداء وردّ الفعل السلبي من قبل المنهيّ عنه . وذلك لأن الأمر بالمعروف كأنه إعطاءٌ وهبةٌ ومنجُ هديّةٍ لمن يُؤْمَرُبه ، وأما النهيُ عن المنكر كأنه سَلْبُ أحدٍ شيئًا من أشيائه وأَخْذٌ لما يحبّه ويعيش عليه ويعتاده . وكم يشقّ على المرأ أن تَسْلُبَه ما يملكه دون مقابل تدفعه له ؟!. يدلّ على كون النهي عن المنكر أشدّ بالنسبة إلى الأمر بالمعروف أنّه قَسَّمَ الناهيَ عن منكر ثلاثةً أقسام بالنسبة إلى قدر العزيمة والجراءة ، الذي يتمتّع به كلٌّ من الثلاثة ؛ فقال : «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . وذلك أضعف الإيمان» (مسلم عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه) ولم يجعل الآمرَ بالمعروف على الأقسام الثلاثة . فكأنّ كلَّ ناهٍ عن منكر لايتمتع بدرجة واحدة عليا من الإيمان ، وإنما هناك نُهَاةٌ ثلاثة : أقوى الإيمان ، وأضعف الإيمان، و أوسط الإيمان.

     وقد كان الشيخ أبرارالحق – رحمه الله تعالى – ممن لايخاف في الله لومةَ لائم ، وكان لايصبر عن النهي عن المنكر مهما كان مرتكبه ، وكان جريئًا وكان صريحًا في ذلك ، إلى جانب تقيّده بالحكمة ومراعاه الظروف والتدرج الحكيم المشروع في القيام بوظيفة النهي عن منكر ؛ حيث كان متخرجًا في مدرسة التربية الأشرفية التي عُرِفَ صاحبُها الشيخ أشرف علي التهانوي – رحمه الله – بـ«حكيم الأمة» إذ كان يَصْدُرُ في جميع أحكام الدين بشطريها : الأوامر والنواهي عن الحكمة التي رَكَّزَ عليها كتابُ الله تركيزًا قويًّا .

     ولقد صَحَّحَ – رحمه الله – كثيرًا من الأخطاء الشائعة في مجتمعات المسلمين ، وأَصْلَحَ المفاسدَ التي تسرّبت إليها بحكم جوارهم للمواطنين الهندوس أو بحكم الجهل بأحكام الإسلام فيما يتعلق بأبواب الأخلاق والآداب ، والعبادات والمعاملات ، وبحقوق الله وحقوق العباد ؛ فكان ينهى عن السفور بأشكاله الكثيرة ، وإسبال الإزار ما دون الكعبين ، وحلق اللحيـة أو قصّها إلى ما دون القبضة ، والتقاط الصور، والغيبة ، والنميمة ، وفضول القول ، والنظر إلى الأجنبية ، وإساءة النظر إلى أحد ، والإسراف ، والتبذير، والتقاليد غير الإسلامية في مناسبات الأفراح والأتراح ولا سيّما الزواج والموت ، وعقوق الوالدين ، والإساءة إلى الأقارب ، وقطع الأرحام ، ومشاهدة التلفاز ، والتفرّج على الأفلام ، وما إلى ذلك من المنكرات التي تغلغلت في حياة المسلمين الفردية والجماعية .

     وكان – رحمه الله – اشتهر فيما يتعلق بإنكار المنكر؛ فكان لايجترئ أحد بحضوره على ممارسة ما يدخل ضمن «منكر» فيمتنع عنه قبل أن يمنعه هو عنه .

     4- وإقراءُ القرآن الكريم بتصحيح الحروف وأدائها من مخارجها أي بتجويده الكامل ، كانَ المهمةَ التي قام بها منذ أن بدأ مشوارَه التدريسيّ ، فشَنَّها حركة شاملة عامَّةً ، وعَاهَدَ بأنّه لن ينقطع عنها طَوَالَ حياته ؛ فكان لايتقيد هو ولايقيّد من يقومون بتعليم القرآن في الكتاتيب التابعة لمجلس «دعوة الحق» فقط ، وإنما نَشَرَ الوعيَ بذلك في عامّة المسلمين ، فأشار عليهم أن يتفرّغوا لهذه الغاية الشريفة لمدة خمس أو عشر دقائق بعد صلاة الفجر في مساجدهم ، حتى يصحِّح لهم الأئمةُ مخارجَ حروفِ آيةٍ أو أقل ، كل يوم . ربّما كان الشيخ – رحمه الله – أوّل من اهتمّ بهذا الأمر الجليل الاهتمامَ اللائقَ به ، ونَبَّهَ المسلمين خاصتهم وعامتهم إلى قيمته ، وأَعَدَّ لذلك بعضَ الرسائل السهلة في موضوع التجويد وقواعده ، وأَمَرَ مدرِّسي الكتاتيب بتحفيظها الصغـارَ وتطبيـق مضامينها في تعليم القرآن . وكان رحمه الله يُنَظِّمُ لهذا الغرض من وقت لآخر دوراتٍ تدريبيةً كان يقوم فيها المدرسون العاملون لديه في الكتاتيب ومدرسة «أشرف المدارس» بمدينة «هردوئي» بتدريب مدرسين في الكتاتيب عبر البلاد متوافدين إليها . وكان لحركته هذه التي قام بها وبقي عليها لحين وفاته ، تأثيرٌ كبيرٌ شاملٌ في جميع المدارس والكتاتيب الإسلامية المنتشرة في أرجاء الهند ، وتَجَاوَزَها إلى المدارس والكتاتيب خارج الهند ؛ فأصبحت اليوم أكثر أهتمامًا بتعليم القرآن الكريم مع التجويد وتصحيح أداء حروفه وألفاظه من مخارجها ، بل أصبح العالِمُ الدِّيني الذي لا يعرف التجويد «منبوذًا» أو «شبهَ منبوذ» في الأوساط المدرسية ، وقد عاصرتُ العلماء الذين كانوا قبل جيلنا ، فوجدتُ مُعْظَمَهُم كانوا يتلون القرآن الكريم باللهجة التي كانت عجمية ولم تكن من العربية في شيء ، حتى كنتُ أنا وإخواني في الدراسة وأقراني في العمر يقولون : إن فلاناً يقرأ القرآن بالأردية ! إشارة إلى النقائص التي كانت قوامَ قراءتهم للقرآن الكريم . أما جيلُ اليوم فصار – ولله الحمد والمنة – مَعْنِيًّا بالقرآن الكريم وتحفيظه وتجويده عنايةً كانت مفقودةً عندما كنّا طلابًا ، ونحن اليوم في مستهل العقد السادس من أعمارنا .

     5- ويلي اهتمامَه بتصحيح قراءة القرآن ، تصحيحُه ، للأذان والإقامة اللذين كان الإهمال في شأنهما عامًّا لدينا في شبه القارة الهندية ؛ حيث يظنّ عامّةُ المسلمين – وبعضُ خاصتهم أيضًا هداهم الله جميعًا – أنهما ليسا شيئًا ذا بال ؛ ومن هنا يُعَيِّنُون في مساجدهم مُؤَذِّنين لا مَعْرِفَةَ لهم برفع الأذان وأداء كلماته ولا بأداء كلمات الإقامة ، وفي الأغلب يكونون كَرْهَى الأصوات وقَبْحَى اللّهجات . وكثيرًا ما سمعنا في صبانا أَنَّ مسيحيًّا في أوربّا أسلم بعــدما دَرَسَ الإسلامَ وَاطَّلَع على حقيقته ، واتّفق له أنه زار بعضَ دول شبه القارة الهندية ، فما إن سَمِعَ صوتَ بعض المؤذنين الكريه لدى رفعه الأذان ، حتى ارْتَدَّ عن الإسلام قائلاً : كنتُ لا أدري أنَّ المسلمين يدعون لأداء أكبر شعيرة في دينهم بمثل هذا الصوت الكريه واللهجة القبيحة !.

     على كلّ ، أَدْرَكَ الشيخُ – رحمه الله – هذا الإهمالَ الكبيرَ الذي يمارسه المسلمون فيما يتعلق بالأذان والإقامة ، فجعل إصلاحهما جزءًا من مهمته الدعوية لم يبرحه عبر حياته ؛ فكان لايصحّح فقط حروفهما وكلماتهما حسب قواعد التجويد ، وإنّما كان يركّز كذلك اهتماماته على تصحيح المدّات ، وعلى المنع من تمديد الآلاف ، ولاسيما الألف المتوسط في كلمة «الله» وكان يباشر قراءةَ ألفاظ الأذان والإقامة لدى المؤذنين والأئمة والطلاب ، ويراعي في القراءة بدقة قواعدَ التجويد وآداب الترتيل ، ويثير في جيمع المسلمين الوعيَ بأهميّة أداء الأذان والإقامة ، لكونهما مدخلاً إلى أكبر شعيرة من شعائر الدين ؛ فلابُدَّ أن يكون المدخلُ من الروعة والجمال والنظافة بحيث يَنِمُّ عن داخل المبنى .

     6- ويلي ذلك دعوتُه إلى أداء الصلاة متمثلةً في قَالَبَ مُحْكَمٍ من الفرائض والسنن والمستحبات ، حتى يكون أداءً كاملاً لا أداءً ناقصًا ؛ لكونها أوّل ركن من أركان الإسلام الأربعة ، ولكونها خطًّا فاصلاً بين الكفر والإيمان ، ولكونها من الأهمية بحيث أنه من ضَيَّعَها فهو لما سواها أَضْيَعُ ، كما قال سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقد أدرك – رحمه الله – أن المسلمين في الأغلب يتركون أداء الصلاة ولايحافظون عليها ، ومن يُوَفَّق لأدائها، يقصّر في أدائها بالنصاب الذي ينبغي أن تؤدى به ؛ فلا يؤدّيها بجميع فرائضها وواجباتها ، فضلاً عن السنن والمندوبات . فَاهْتَمَّ – رحمه الله – بتدريب المصلين على أداء الصلاة بأركانها كلها ، من الفرائض والسنن والمستحبات . وكان حريصًا جدًّا على أن تكون صلاتُنا مثل صلاة سيدنا ونبينا محمد . وقد أَعَدَّ لذلك جداول عديدة مُدَوَّنَةً فيها فرائضُ وسننُ كلّ ركن من أركان الصلاة ، وكان يُعَمِّمُها عن طريق كل غاد ورائح إليه ، ويُرَكِّزُ على حفظها والعمل بها خلال أداء الصلاة . وكان قد أجرى في زاويته ومدرسته بـ«هردوئي» نظامًا ثابتًا للتدريب العملي على أداء الصلاة بآدابها كلها ، فكان يُنَفَّذ ذلك بعد صلاة الفجر مُبَاشَرَةً ، فكلُّ طالب ومُدَرِّس وكلُّ مُتَرَبٍّ في زاويته يتخرج مؤديًا للصلاة بشكل كان أقرب إلى السنّة النبوية . وكان يُعْنَىٰ بهذا الجانب في الحلّ والترحال ، وكان يأخذ المسلمين بذلك حيثما كان ينزل داخل الهند وخارجها .

     7- أَلَّفَ وأَصْدَرَ أكثرَ من 25 كتابًا ورسالة في شتّى الموضوعات الإسلامية ، كلُّها تنصبّ في خانة الموضوع الرئيس : العودةِ بالأمّة إلى دينها ، والاهتمام بما يُصْلِحُ ما فَسَدَ منها ، والعناية بما يُقَوِّم ما اعْوَجَّ منها ؛ فقد عاش طَوَالَ حياته هذا الهمَّ الكبير الذي لم يهدأ له باله لحظةً من لحظات الليل والنهار . وكانت مواعظُه وكتاباتُه ، ورحلاتُه وزياراتُه ، وأحاديثه المجلسية تدور حول المطلب الشريف : علاجِ الأمة من الأدواء التي عادت تَنْخُرُ كيانَها ، فصارت لا تقدر على أداء مسؤوليتها كأمة أُخْرِجَتْ للناس ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ؛ حيث لم تَعُدْ تَهْتَمُّ بخاصّة نفسها فضلاً عن أن تُعْنَىٰ بشؤون غيرها وهموم إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ؛ فمن ينسى نفسه كيف به أن يذكر غيره . فالعودةُ بالأمة إلى مستوى مسؤوليتها من إصلاح نفسها حتى تَتَأَهَّلَ لإصلاح غيــرها ، فتستحق أن تنالَ جزاءها وتدخل جنة ربّها ، كان الهمَ الوحيدَ الذي شغله طَوَالَ حياته ؛ فكان يلفت أنظار المسلمين إلى كل صغيرة وكبيرة في حياتهم ، ينبغي أن تُصْلَحَ وتُصَحَّحَ أو تُغَيَّرَ .

     وكان دَيْدَنُه أن يُعِدَّ كتابًا أورسالة في المواضيع التي يراها مُلِحَّةً لعلاج أمراض يرى الناس مُبْتَلَيْنَ بها بشكل عامّ ثم يأمر بإصدارها وتعميمها في كل مكان ، ويتحدث في ذلك أينما سار وحَلَّ ، ويستقطب اهتمامَ كل من يجالسه أو يلاقيه أو يصاحبه . كَأَنَّ كل داء أصيب به فرد من المسلمين يراه قد أصيب به هو ، فكان وارثاً صادقًا من وَرَثـَةِ النبي ؛ حيث كان قد جَعَلَ همومَ غيره همومَ نفسه ، وإنقاذَ غيره من بليّة من البلايا ، إنقاذَ نفسه منها .

     وكان شيخه المربي الحكيم والعالم المتقن الجليل أشرف علي التهانوي – رحمه الله – فريدًا في فنّ التربية وعلم التزكية ؛ فكان يأخذ من كتبه من الموادّ مايراه لازمًا لأبناء عصره ولإصلاح الجيل الجديد ، ويُفْرِدُها في رسائل وكتيبات بأسلوب سهل سائغ ، فيُصْدِرُها بشكل بسيط دون تأنّق في الطباعة والإخراج . وقد جَمَعَ بعضُ أصحابه أحاديثَ مجالسه وأخرجوها بباكستان باسم «مجالس أبرار» في مجلدات ، وقد تلقّاها الناس بِنَهَمٍ وشَغَفٍ كانت تستحقّهما ، وهي وصفةٌ شافيةٌ للأمراض التي تعانيها الأمّة اليوم .

صفاته المُمَيِّزَة

     1- المحافظة على الأوقات ، كانت من المزايا التي كانت رمزًا على شخصيته ، واستقاها من شيخه المربي الحكيم أشرف علي التهانوي – رحمه الله – الذي كان لديه لكل وقت عمل ولكل عمل وقت لايخلّ به في أي حال ، وكان يأخذ بذلك أصحابه أخذًا دقيقًا ، ومن هنا خَلَّفَ وراءه مكتبة إسلامية زاخرة بمؤلّفاته البديعة ، وكان – التهانوي – من العلماء المكثرين من التأليف في أمة محمد . وتخرّج أصحابه جميعًا : كلٌّ حسبَ توفيق الله له ، في المحافظة الدقيقة على الأوقات ، والتقيّد الكالم بالمواعيد ؛ فكانوا لا يَدَعُون لحظةً تضيع فيما لايعنيهم . وكان الشيخ أبرارالحق – رحمه الله – من خريجي مدرسة ذاك الشيخ الحكيم التربوية ؛ فكان في هذه الخلّة وغيرها نسخةً من شخصه . والمُحَافِظُ على الأوقات يريح نفسَه ونفسَ غيره من كلّ عناء، ولا يخالف وعدًا ، ولايخلّ بميعاد ، ويؤدّى كلّ عمل في وقته ، ويُوَفِّي كلاًّ من حقوق الله وحقوق العباد نصابَه من الاهتمام ، ويُنْجِزُ في قليل من الوقت كثيرًا من الأعمال ، ويحتفظ بوقته فيحتفظ بوقت غيره ، ويكون حريصًا على تجنيب وقته الضياعَ فيكون معنيًّا بتقدير قيمة وقت غيره . أمّا الفَوْضَوِيُّ في استخدام الأوقات ، فلا يكون من أيّ من ذلك في شيء ، فيكون قليلَ الإنجاز ، عديمَ الإفادة ، نزيرَ الأداء والعطاء ، يؤذي نفسَه ويؤذي غيرَه ، ويضيع أوقاته فيكون لأوقات غيره أكثر إضاعة . قد كان الشيخ أبرارالحق – رحمه الله – ضابطًا للوقت ، لم يُعْرَف عنه أنه أَهْدَرَ دقيقةً أو ثانيةً من أوقاته فيما لاينفعه أو ينفع عبادَ الله .

     2- يُضَاف إلى ذلك أنه – رحمه الله – كان يُحِبُّ النظامَ والانضباطَ في كل ناحية من نواحي الحياة ، ويُبْغِضُ الفوضى واللانظامَ ، أي كان مبدئيًّا لآخر الحدود يعمل بذلك بنفسه ، فيُقَيِّدُ به غيرَه ، أو يحبّ أن يتقيد به غيرُه . وكل من عاشه أو صحبه أو تعامل معه، يشهد بعمله بالنظام والتزامه بالمبدئية. ومن زار زاويتَه ومدرستَه «أشرف المدارس» وجد مَظَاهِرَ النظامِ والانضباط متمثلةً في كل شيء فيهما؛ فالطلاب مُقَيَّدون حتى بخلع أحذيتهم ووضعها في أمكنتها المحدّدة بنظام ، ولا يوجد في ناحية من المدرسة قطعةٌ من الورق تذروها الرياح ، ولا شِيَةَ على جدار لبصاق التَّانبول ، ويوجد كل شيء من الأثاث والأغراض في مكانه اللائق . وإذا وَجَدَ زحامًا للزائرين والمصافحين ، أَمَرَهُمْ بالانسلاك في الصفّ ، حتى ينتهي الأمر بسهولة وفي قليل من الوقت .

     زرتُ أكثر من مرة ختنَه الطبيب الحاذق بالطب اليوناني العربي الشيخ الحاج محمد كليم الله – حفظه الله – الذي يمارس مهنة العلاج في مدينة «عليجراه» ، فوجدتُ لديه إلى جانب التقيد بالنظام في شؤون الحياة كلها ، ساعات الجدار مضبوطةً بخمس دقائق متقدمة على الساعات العاديّة ومُلْصَق بها ورقة مكتوب فيها : «هذه الساعة متقدمة على الساعات العاديّة بخمس دقائق» . قلتُ للشيخ : لماذا كتبتم هذا التنبيهَ ؟ قال: على أمر من الشيخ أبرارالحق الذي قال : إن كثيرًا من الناس ينخدعون بهذه الساعات المتقدمة ، وقد يقعون في حرج . قلت: فلماذا قدمتموها ، اجعلوها ساعات مضبوطة بالأوقات العادية . قال : إنني أُحِبُّ السبقَ والتبكيرَ في كلّ شيء وكذلك يحبّهما كثير من الناس ، فأنا وهؤلاء يجدون الراحة عندما يجدون الساعاتِ لدينا مضبوطةً بخمس دقائق متقدمة .

     3- كما كان رحمه الله يحبّ النظافةَ ، فثيابهُ نظيفةٌ ، وأغراضُه نظيفةٌ ، والزاويةُ والمدرسةُ جميعُ جنباتهما تنطق بالنظافة والنسق ، ولامكان للوسخ والقذر في شيء يتصل به ويتعامل معه . والنظافةُ محبوبةٌ في الشريعة بل هي مأمورٌ بها ومُؤَكَّدٌ عليها في الشريعة ؛ ولكن كثيرًا من المنتمين إلى الوسط الديني لايهتمون بهذا الجانب من الدين ، بل إنهم يرون عدمَ النظافة دليلاً على البساطة ؛ فإذا وجدوا عالماً أو رجلَ دين معنيًّا بالنظافة ، تأكّدوا أنه ليس من البساطة في شيء . أما إذا تَأَنَّقَ ، فويلٌ لأمّه . وقد عَلَّمَ – رحمه الله – بسيرته الحيّة أن النظافة جزء من الإيمان وأنها واجبة على أهل العلم والقائمين بالدعوة ؛ لأن الناس ينجذبون إلى النُظَفَاء ، ويفرّون ممن يتلطّخون بالأوساخ مهما كانوا من ذوي العلم والفضل . والعجيبُ أن مُعْظَمَ الناس لايُدْرِكُونَ هذا الفرقَ الواضحَ وضوحَ الشمس في رائعة النهار.

     4- وكان عاملاً بمعنى الزهد ، فلا شاغلَ له في هموم الدنيا ، ولم يكن له حاجة إلى ذي ثراء وأثاث ورياش ؛ فما كان يتملق له كما يتملق كثير من ذوي العلم الذين لايحترمون وقار العلم ولا يُرَاعُوْنَ حرمةَ «العلماء» . وقد قال لعدد من ذوي العلم الذين زاروه ، فَتَجَوَّلَ بهم في مدرسته : إني لا أزور مدرستي بأحد من التجار والأثرياء حتى لايظنّوا أني أرغب في مالهم أو أحتاج إلى ما لديهم من وسائل العيش . وكان يرى أن انبطاح العلماء لدى الأثرياء تذليلٌ للعلم وتحقيرٌ للدين ، ويجب اجتناب هذا الموقف في كلّ حال ، مهما أدّى ذلك إلى التضرر الظاهر ؛ لأن هذا الموقف لايُقَدِّمُ خدمةً للدين أو الدعوة أو الوطن .

     5- كان على سيرة إخوانه : عبادِ الله الصالحين في لين الجانب ، ورقّة القلب ، ونعومة الأخلاق ، والرأفة بالخلق ، وتفريج الكربة عن المؤمنين ، وإسداء العون للمحتاجين ، والتألم لكل ألم يصيب المسلمين في أي مكان في العالم ، ويسعى لتسديد ديون المديونين ، وعلاج المرضى ، ومسح دموع المسحوقين ، ولا يردّ السائلين ، وكانت حلاوةُ المنطق مما يميزه عن الدعاة الآخرين ، وكان بشخصه الهيّن وبحديثه الليّن ينفذ في القلوب .

     وكان يهتمّ بحاجـات طلاب العلم بصفة خاصة ، ويوصي بذلك جميعَ القائمين على المدارس ومعاهد التعليم ؛ فإنه كان يلاحظ أنهم يُخِلّون بهذا الجانب ، ويرون أن الطلاب قومٌ يجب أن لا تُرَاعَىٰ حقوقهم وأن لاتُقْضَى حاجاتهم . فكانت مدرسته بـ«هردوئي» ممتازة بخدمة الطلاب عن المدارس الأخرى ، وكانت تُحْصِي حتى حاجاتهم الصغيرة فضلاً عن الكبيرة . وكان يتضجّر من أن القائمين على المدارس لدينا في شبه القارة الهندية يهتمون في الأغلب بالأمور الفرعية اهتمامًا لايهتمونه بالأمور الضرورية ، فهم ينفقون لحد الإسراف على إنشاء المباني ، وزخرفة المظاهر ، وتشميخ المنارات والقبب ، ولاينفقون قدرَ الواجب على توفير حاجيات الطلاب : من بناء دورات مياه بالعدد الذي يحتاجون إليه ، وإقامة نظام لتبريد المياه وتسخينها حسب مقتضى الفصول السنوية ؛ ولايوفّرون مولدًا كهربائيًّا حتى إذا انقطع التيار الكهربائي الرسمي ، يقوم مقامه في إدارة المراوح ، وإنارة المصابيح وملأ خزان الماء ؛ وكذلك لاينفقون على تحسين نوعية الوجبات الغَدَائية والعَشَائية أو الفطوريّة ، ولاعلى زيادة في المِنَحِ الدراسيّة النقديّة حسب غلاء الأسعار ، ولا على تطوير نظام التعليم والتربية واستبدال الأساتذة اللائقين بالذين هم لايملكون أهلية التعليم والإلقاء المطلوبة . كان الشيخ يُؤَكِّد أن هذه الأمورَ واجبةُ الإصلاح والتغيير في المدارس الإسلاميّة . أي يتعيّن أن تُعْنَىٰ بالمخبر أكثر من المظهر ، وأن يكون المسؤولون واقعيّين في القول والعمل .

     وكان – رحمه الله – يتعامل مع الطلاب ومريديه كالأب الحاني . وكانت صفةُ الحنو أَحَدَ المفاتيح التي كان يفتح بها مغاليقَ القلوب ، فكانت تؤثر فيها تأثيرًا كبيرًا سريعًا ، فكان يؤمن بما قاله : «إن الرفق لايكون في شيء إلاّ زانه ، ولايُنْزَعُ من شيء إلاّ شانه» (رواه مسلم) . و«إنّ الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ومالا يعطي على ماسواه» (رواه مسلم) . و «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» (متفق عليه). ومن هنا لا يجني من المحصول الدعوي والتربوي ، الداعي والمعلمُ العنيف المتشدّد ما يجنيه الداعي والمعلمُ الرفيق الحليم . وقد كان الشيخ من الدعاة والمربين الذين أجرى الله على أيديهم الخير الكثير .

     وعلى ذلك كلّه وغيره كان – رحمه الله – عالماً داعيًا مربّيًا فذًّا يقرن كلّ قول بالعمل ، بل يكون القولُ مصدره العمل . كان يركّز على تخريج أصحابه ومريديه و طلاّبه إنسانًا سويًّا ينفع نفسَه فينفع غيرَه ، ويُصْلِح شأنَه فيُصْلِح شؤونَ غيره ؛ لأن فاقد الشيء لا يُعْطِيه . وكان مصلحًا داعيًا بسيرته وسلوكه وعمله ، وكل حركة وسكون في حياته ، ولم يكن داعيًا بقوله وصوته فقط ؛ فكان ناجحًا كلَّ النجاح في الدعوة والتربية . ترك وراءه جيلاً كبير العدد تَعَلَّمَ منه الدين مباشرةً أو تأثـَّر بدعوته عن طريق من تخرّجوا عليه . والشعب المسلم في هذه الديار الواسعة : القارة يظلّ يشكو أبدًا فقدانه .

*  *  *

     كَتَبَ الذين ترجموا له أنه – رحمه الله – حجّ أكثر من 35 مرة ، وأدّى من العمرة ما يفوق 60. وزار أكثر من 25 بلدًا من بلدان العالم ، وترك وراءه عددًا لايُحْصَى من المحبين والمعجبين، والمئتسين بسيرته في الإصلاح والتربية، ولدالدعوة إلى الإسلام وأحكامه وسنة نبيه، بالحكمة والموعظة الحسنة .كثّر الله أمثاله ، وخلّد ذكره ، وأدخله فسيح جنّاته ، وأسعده بجوار نبيه في جنة الفردوس ، وألهم أهله وذويه ، ومعارفه وأصحابه ، وأتباعه ومحبيه ، الصبر والسلوان . وصلى الله وسلّم وبارك على عبده ونبيه سيدنا وشفيعنا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . جمادي الثانية – رجب 1426هـ = يوليو – سبتمبر 2005م ، العـدد : 7–6 ، السنـة : 29.